أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

231

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والثالث : قال أبو البقاء ، وبه بدأ - : « إنها حال من الضمير في « أُنْزِلَ » وما بينهما معترض . وهذا سهو ، فإنّ الواو مانعة من ذلك ، وكيف تدخل الواو على حال صريحة ؟ والجر من وجهين أيضا : أحدهما : العطف على المصدر المنسبك من أن المقدرة بعد لام كي والفعل ، والتقدير : للإنذار والتذكير . والثاني : العطف على الضمير في « بِهِ » ، وهذا قول الكوفيين ، والذي حسنه كون « ذِكْرى » في تقدير حرف مصدري ، وهو « أن » والفعل ، ولو صح ب « أن » لحسن معها حذف حرف الجرّ ، فهو أحسن من : « مررت بك وزيد » ، إذ التقدير : لأن تنذر به وبأن تذكّر . و « لِلْمُؤْمِنِينَ » يجوز أن تكون اللام مزيدة في المفعول به تقوية له لأن العامل فرع ، والتقدير : وتذكّر المؤمنين . والثاني : أن يتعلق بمحذوف ، لأنه صفة ل « ذِكْرى » . [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 3 ] اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ ( 3 ) قوله تعالى : مِنْ رَبِّكُمْ . يجوز فيه وجهان : أحدهما : أن يتعلق بأنزل » ، وتكون « مِنْ » لابتداء الغاية المجازية . والثاني : أن يتعلق بمحذوف ، على أنه حال ، إما من الموصول ، وإما من عائده القائم مقام الفاعل . قوله : « من دون أولياء » : « من دون » . يجوز أن يتعلق بالفعل قبله ، والمعنى : لا تعدلوا عنه إلى غيره من الشياطين والكهان . والثاني : أن يتعلق بمحذوف ، لأنه كان في الأصل صفة ل « أَوْلِياءَ » ، فلما قدم نصب حالا ، وإليه يميل تفسير الزمخشري ، فإنّه قال : أي : لا تتولوا من دونه من شياطين الإنس والجن فيحملوكم على الأهواء والبدع » . والضمير في « دُونِهِ » يحتمل - وهو الظاهر - أن يعود على « رَبِّكُمْ » ، ولذلك قال الزمخشري : « من دون اللّه » . وأن يعود على « ما » الموصولة ، وأن يعود على « الكتاب » المنزّل ، والمعنى : لا تعدلوا عنه إلى الكتب المنسوخة . وقرأ الجحدري « ابتغوا » بالغين المعجمة من الابتغاء . ومالك بن دينار ومجاهد « لا تبتغوا » من الابتغاء أيضا . قوله : قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ قد تقدم نظير هذا في قوله تعالى : فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ « 1 » ، وهو أن « قَلِيلًا » نعت مصدر محذوف ، أي : تذكرا قليلا تذكّرون ، أو نعت ظرف زمان محذوف أيضا ، أي : زمانا قليلا تذكّرون ، فالمصدر أو الظرف منصوب بالفعل بعده ، و « ما » مزيدة للتوكيد ، وهذا إعراب جلي واضح . وقد أجاز الحوفي أن يكون نعت مصدر محذوف لقوله : « وَلا تَتَّبِعُوا » أي : ولا تتبعوا من دونه أولياء اتباعا قليلا . وهو ضعيف ، لأنه يصير مفهومه أنهم غير منهيين عن اتباع الكثير ، ولكنه معلوم من جهة المعنى فلا مفهوم له . وحكى ابن عطية عن أبي على أن « ما » مصدرية موصولة بالفعل بعدها ، واقتصر على هذا القدر ، ولا بدّ من تتمة له ، فقال بعض الناس : ويكون « قَلِيلًا » نعت زمان محذوف وذلك الزمان المحذوف في محل رفع خبرا مقدما ، و « ما » المصدرية وما بعدها بتأويل مصدر مبتدأ مؤخرا ، والتقدير :

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 88 ) .